انتقل إلى المحتوى

الجزائر: في كل مدينة ضريح ولي صالح يلجأ إليه اليائسون

من ويكي الأخبار

الأربعاء 16 ديسمبر 2015


[1]

نشر الموضوع لأول مرة على موقع رصيف22، وتعيد الأصوات العالمية نشره باتفاق مع الموقع

«النص الأصلي:ريم حياة شايف»

في قرية سوق الخميس التابعة لبلدية بني خلاد في ولاية تلمسان أقصى غرب الجزائر، يذهب الناس إلى قبة مربعة الشكل ذات لون أخضر باهت يعلوها هلال وتقع على بعد أمتار من بيت جدتي. سألت جدتي عنها فأجابتني: “هناك مدفون وليّ صالح اسمه سيدي محمد ابن سعيد، يذهب الناس إليه ويضعون الشموع ويطلبون منه الدعاء إلى الله ليستجيب لدعواتهم”.

يتميّز المجتمع الجزائري بكثرة الأضرحة المنتشرة في جميع أرجائه. هذه الأضرحة تعود لرجال عُرفوا بالصلاح والتقوى والدعوة إلى الخير والمحبة والتعاون في المناطق التي دفنوا فيها، وهي تحظى بتبجيل العامة الذين يقصدونها لأسباب متنوعة.

لماذا يزور الجزائريون الأضرحة؟

سيدي هواري، سيدي بومدين، سيدي مبروك، سيدي ميمون وآخرون. هم أولياء صالحون يقصد أضرحتهم الكثير من الجزائريين ولا سيما اليائسين. تزورهم كل بنت فقدت الأمل في الحصول على عريس، وكل مريض سئم من زيارة الطبيب، وكل زوجين يواجهان صعوبات في إنجاب أطفال. تتعدد الأسباب والغاية واحدة: التبرك بقبر شخص كان قريباً من الله وطلب بركاته.

[2] مقام سيدي هواري

يقول الأستاذ كافي موسى، المختص في علم الاجتماع، لرصيف22: “تظن فئة كبيرة من الجزائريين أن الذهاب إلى هذه الأماكن هو طريقة تقرّبهم من الله. فالكثير من المثقفين يلجأون إلى هذا السلوك من أجل الظفر بمناصب، أو النجاح في امتحان ما، أو فك العقد الاجتماعية كالعنوسة، والسحر وغيرها. هي ظاهرة سائدة وستظل سائدة كونها أصبحت عادة راسخة في عمق المجتمع ويصعب التخلص منها”.

تؤمن سارة (25 عاماً) بالأولياء الصالحين وبقدرتهم على الاستجابة لدعوات الناس، وتقول لرصيف22: “شفي البعض من أقاربي بعد أن استعصت حالاتهم على الكثير من الأطباء حالما زاروا الأولياء”. أماكريمة فتروي: “عانيت من حرماني من نعمة الأمومة لخمس سنوات، وأكد لي الأطباء الذين زرتهم أني عاقر، ولكن أصحاب التجربة نصحوني بزيارة ضريح سيدي محمد المثعالبي في العاصمة الجزائر، وقمت بذلك، وحملت في السنة نفسها وسميت ولدي باسم الولي عرفاناً له”.

“سيدي بومدين جيتك قاصد”

على الطريق المؤدية إلى ضريح سيدي بومدين الموجود على هضبة العباد في مدينة تلمسان، تصدح الأغنية الشهيرة: “سيدي بومدين جيتك قاصد/ أجيني في المنام نبرا”. قرب الضريح أنشئت المدرسة القرآنية التي تحولت حديثاً إلى متحف للمخطوطات الإسلامية، ومسجد وقصر ملكي قديم.

يقول المرشد السياحي بومديني محمد: “هناك طقوس كثيرة تمارس هنا، بدءاً من هذا الباب، إذ يتم طرقه سبع مرات على التوالي والدخول بقدمين حافيتين والقيام بثلاث خطوات مع النية والدعاء لتحقيق شيء معين”.

ويضيف: “أغلب الزيارات تكون يوم السبت. تحضر الناس بكثرة. هناك مَن يأتي للسياحة وهناك مَن يأتي من أجل الصلاة، وهناك من يأتي ليطلب قضاء حاجة من الولي سيدي بومدين”.

دعاء، إحدى الزائرات، تقول: “أتردد منذ سنين إلى ضريح سيدي بومدين. آتي إلى هنا كل يوم سبت تقريباً، وإن لم أستطع أحضر في أحد أيام الأسبوع الأخرى، وأقرأ الفاتحة عن روح الولي الطاهرة. ودائماً تتيسّر أموري بعدها، لم يبخل علي سيدي الولي يوماً”.

بالقرب من باب قبر سيدي بومدين، كان يقف شخص يلبس عباءة بيضاء مع شاشية، يلقب بالعامية الجزائرية بـ”المقدم”، وهو المسؤول عن الضريح. إنه أبو بكر نوردين. “المكان هو مكان روحاني. كان يعتبر أيضاً مكاناً لإيواء كل مسافر لا يجد مكاناً يمضي فيه ليلته”، يقول لرصيف22 ويضيف: “يزور المكان أناس كثر، من الجزائر ومن الدول العربية والإسلامية الأخرى نظراً لشهرة سيدي بومدين”.

ويلفت نوردين إلى أن “الناس يأتون من أجل أمور دنيوية”، ويضيف: “كل الأولياء الصالحين أحياء في قبورهم، وهو أمر روحي لا يمكن لعامة الناس أن تفهمه”، مستدلاً بالآية الكريمة: “ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون”.

ويشرح القائم على الضريح أن “تعيين المقدم يتم من قبل رئاسة الجمهورية ولا يستطيع أي شخص التدخل في هذا الأمر، ويُتوارث الدور أباً عن جد”.

طقوس احتفالية متوارثة

تُقدّم القرابين وتقام الولائم وحلقات الذكر قرب الضريح وتشعل الشموع وتوضع أشياء ثمينة مثل الذهب والفضة وأموال كقربان للولي. ويقوم الزائرون برش العطور، ويلطخ بعضهم وجوههم بالتراب الموجود قرب الضريح للتبرك والشفاء من الأمراض. يقبّلون الأضرحة ويطوفون حولها حاملين الشموع وعيدان الطيب، ويسجدون ويقفون أمامها خاشعين طالبين أن تقضي حاجتهم منادين بعبارات تحمل اسم صاحب القبر: “يا سيدي جئناك من مكان بعيد فلا ترجعنا خائبين”.

هم من كل الطبقات الاجتماعية. يروي المرشد السياحي: “ذات مرة أتى أساتذة جامعيون لزيارة الضريح، وكان تصرفهم ككل الناس: تقبيل الضريح والتمسح بالتراب الموجود هناك طالبين قضاء حاجتهم وسألوا عن موضع رأس الولي لتقبيل جهته”.

هذا ولا يمكن نسيان “الوعدة”، وهي تجمع كبير يقام كل سنة على شرف الولي. ولكل منهم وعدته الخاصة التي تحمل اسمه وتُرصد سنوياً موازنة من أجل هذا من دور الثقافة المكلفة من وزارة الثقافة بالقيام بنشاطات ثقافية، وتحظى بتغطية إعلامية واسعة. خلالها يتلى القرآن الكريم ويقدم ما لذ وطاب من الطعام في جو من المدائح وقرع الطبول والرقص التقليدي والأهازيج وركوب الخيول وإطلاق الرصاص.

اختصاصات الأولياء

لا تكاد تخلو قرية أو مدينة جزائرية من ضريح لولي صالح. وتختلف شهرة ولي عن آخر بحسب الأساطير والحكايات المنسوجة عنه، فهناك أولياء يتمتعون بشهرة وطنية ويأتي الناس من مختلف الربوع من أجل التبرك، وهناك مَن لا يتعدى حجم شهرته حدود القرية المدفون فيها.

يختص كل واحد من الأولياء بعلاج حالة معيّنة. فهناك مَن قلد له فك رباط المرأة العاقر كسيدي عبد الرحمن في العاصمة الجزائر حيث تربط المرأة بطنها بحزام قبل أن تذهب إلى زيارته. وإذا فكّت عقدة الحزام أثناء قيامها بالطقوس المتبعة يكون هذا فأل خير. والولي نفسه مختص أيضاً بشفاء الأمراض العقلية.

ومنح سيدي قويدر وظيفة رد فعل أصحاب النيات السيئة والكاذبين. كما أن هناك من مُنح وظيفة إخراج الجن ويتم ذلك بجلب الشخص المصاب إلى ضريح الولي ويمضي الليلة قرب قبره وقبل أن يغادر صباح اليوم التالي عليه أن يترك شيئاً من ملابسه هناك.

انتقاد ثقافة زيارة الأضرحة

يرى الدكتور في علم النفس، أستاذ قصاب، أن ثقافة زيارة الأضرحة نشرت في زمن الاستعمار الفرنسي نتيجة ما قام به من تخريب للمساجد وتحويلها إلى كنائس وغلق الزوايا مما أدى إلى انتشار هذه العادة.

كثير من المختصين في الشريعة يرون أن الطواف حول الأضرحة وطلب الدعاء من الأولياء محرمان شرعاً. أما آخرون فيرون أن زيارة الأضرحة هي من شعائر المسلمين التي يجب المحافظة عليها والالتزام بها، فالأولياء هم أمناء سر الله ويمدّون الناس ببركتهم المستمدة من الله.

من جهة أكثر، فكل شخص يهم بالخروج من ضريح سيدي بومدين يضع نقوداً في يد الرجل المسؤول عن الضريح طالباً منه الدعاء له. وهناك مكان آخر داخل الضريح مخصص لوضع النقود أيضاً. يلفت بومديني إلى أن هذه “النقود كانت تستخدم قديماً للطلبة الذين كانوا يدرسون في المدرسة القرآنية، ولكن حالياً لا نعلم إلى أين تذهب”.

مصادر

[عدل]